حين تكون الرقابة فنًا.. بني سويف تقدم نموذجًا في الحزم دون صدام
حين تكون الرقابة فنًا.. بني سويف تقدم نموذجًا في الحزم دون صدام
من «التحقيق» في المخالفة الكبرى إلى «التحذير» وإعطاء فرصة للإصلاح.. جولات المحافظين تفتح ملف فن الإدارة والتعامل مع العاملين
كتب – محمد عبده
لم تعد جولات المحافظين المفاجئة مجرد وسيلة للوقوف على مستوى الخدمات، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة المسؤول على إدارة الموقف، واكتشاف الخلل، وتحديد المسؤولية، واختيار الطريقة المناسبة للتعامل معه.
فالمسؤول التنفيذي لا يواجه خلال جولته نوعًا واحدًا من المشكلات؛ هناك مخالفة جسيمة تستوجب إجراءً فوريًا، وهناك تقصير يحتاج إلى محاسبة، وهناك ملاحظة يمكن إصلاحها بالتوجيه والمتابعة.
ومن هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته بـ «فن التعامل الإداري».
فالقوة ليست دائمًا في رفع الصوت، والحزم ليس بالضرورة في العقوبة الفورية، وهيبة المسؤول لا تعني إحراج من أمامه.
أحيانًا تكون أقوى رسالة للمسؤول المقصر: سأعطيك فرصة.. لكنني سأعود لأرى ماذا فعلت.
وهذا تحديدًا ما ظهر في جولة اللواء عبد الله عبد العزيز، محافظ بني سويف، التي شملت عددًا من المدارس والمخابز والوحدات الصحية.
القليوبية تفتح النقاش
جاءت واقعة الجولة التفقدية لمحافظ القليوبية الدكتور حسام عبد الفتاح على عدد من المدارس لتفتح نقاشًا واسعًا حول أسلوب تعامل المسؤول التنفيذي مع العاملين أثناء الجولات الميدانية.
وتطور النقاش إلى موقف معلن من نقابة المعلمين، التي رفضت ما وصفته بأسلوب تعامل غير لائق مع مديري مدرستين، وأكدت أن محاسبة المسؤول تكون وفق القانون واللوائح، وليس أمام الكاميرات، كما أعلنت اعتزامها المطالبة بوضع ضوابط للزيارات التفقدية للمدارس.
وفي المقابل، أوضح محافظ القليوبية أن القرارات التي اتخذها خلال الجولة جاءت على خلفية ما رصده من أوجه قصور في الاستعدادات، وأن استبعاد إحدى المدارس لم يكن بسبب ارتداء الجلباب وحده، وإنما بسبب أوجه القصور التي رصدها خلال الجولة.
وهنا لا تصبح القضية مجرد خلاف حول جولة أو موقف عابر.
بل يصبح السؤال الأوسع:
كيف يحافظ المسؤول على هيبة الدولة وحزم القرار، دون أن تتحول المحاسبة إلى صدام؟
بني سويف.. الإجابة جاءت من الشارع
في بني سويف، كان المشهد مختلفًا في طريقة إدارة الموقف.
اللواء عبد الله عبد العزيز لم يذهب إلى المدارس والمخابز والوحدات الصحية في زيارة بروتوكولية، وإنما ذهب ليرى الواقع بنفسه.
والأهم أنه لم يتعامل مع جميع الملاحظات بدرجة واحدة.
هنا تحديدًا ظهر فن الإدارة.
فالمخالفة التي تستوجب التحقيق كان التعامل معها حاسمًا.
والملاحظة التي يمكن إصلاحها كان التعامل معها مختلفًا.
لا تجاهل.
ولا تهاون.
ولا عقوبة لمجرد العقوبة.
بل تقدير للموقف ثم اختيار الإجراء المناسب.
«المخالفة الكبرى لها حساب».. و«الملاحظة لها فرصة»
خلال الجولة، تم التعامل مع المخالفات التي تمس الخدمة أو تمثل تقصيرًا واضحًا بإجراءات حاسمة، من بينها الإحالة للتحقيق في بعض الوقائع التي تم رصدها خلال المرور.
وفي القطاع الصحي، على سبيل المثال، تم رصد مخالفات تتعلق بالانضباط والحضور ومستوى الخدمة، وصدرت توجيهات بالإحالة للتحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وفي المخابز، لم يكن هناك مجال للمجاملة عندما تعلق الأمر بجودة الخبز أو الوزن أو اشتراطات السلامة.
وهنا ظهرت الرسالة الأولى:
الحزم موجود عندما يستوجب الأمر الحزم.
لكن في المقابل، لم تتحول كل ملاحظة إلى عقوبة.
عندما تكون المشكلة قابلة للإصلاح، كانت هناك فرصة.
وكانت الرسالة الأوضح:
«تحذير لكم.. وهاجي تاني وهشوف عملتوا إيه».
جملة بسيطة.. لكنها تحمل فلسفة كاملة
قد يمر البعض على هذه الجملة باعتبارها مجرد تحذير.
لكن من زاوية الإدارة، هي أكثر من ذلك.
المحافظ يقول للمسؤول:
أنا رأيت الملاحظة.
ويقول له:
أنا لم أتجاهلها.
وفي الوقت نفسه يقول:
أعطيك فرصة لإصلاحها.
ثم يضع أمامه أهم عنصر في عملية الرقابة:
المتابعة.
«هاجي تاني».
أي أن الموضوع لم ينته بانتهاء الجولة.
هنا تظهر الحكمة
هناك مسؤول يستطيع اكتشاف الخطأ.
لكن الأهم: هل يستطيع اختيار طريقة التعامل معه؟
وهناك مسؤول يستطيع إصدار قرار بالعقوبة.
لكن السؤال: هل كانت العقوبة هي الحل الأفضل؟
وهناك مسؤول يستطيع توبيخ موظف أمام الجميع.
لكن السؤال الأهم: هل سيؤدي ذلك إلى تحسين الخدمة؟
وهنا تظهر قيمة الأسلوب الذي اتبعه محافظ بني سويف في الجولة:
الهدف ليس إحراج المسؤول.. وإنما إصلاح الخلل.
وهذا فارق كبير.
فن الإدارة.. أن تفرق بين «المخالفة» و«الملاحظة»
الإدارة الناجحة لا تضع كل الأخطاء في سلة واحدة.
هناك فرق بين موظف ارتكب مخالفة جسيمة تستوجب التحقيق، وبين مسؤول لديه ملاحظة يمكن علاجها خلال أيام.
هناك فرق بين مشكلة تهدد سلامة المواطنين، وبين مشكلة في مستوى النظافة يمكن التعامل معها فورًا.
وهناك فرق بين تقصير متكرر رغم التحذيرات، وبين خطأ يظهر للمرة الأولى.
ومن هنا تصبح قدرة المحافظ على التفرقة بين الحالات جزءًا من نجاح الجولة.
وهذا ما ظهر في بني سويف.
«هارجع لكم».. عندما تتحول الرقابة إلى شراكة في الإصلاح
الرسالة التي يحملها أسلوب «سأعود وأرى ماذا فعلتم» تختلف عن الرسالة التي تحملها العقوبة الفورية.
العقوبة تقول:
لقد أخطأت.. وستدفع الثمن.
أما المتابعة بعد التحذير فتقول:
أنت أخطأت.. ولديك فرصة لإصلاح الخطأ.. لكنني سأحاسبك على ما ستفعله بعد ذلك.
وهنا يصبح المسؤول شريكًا في الحل.
فهو يعرف أن هناك مشكلة.
ويعرف أن المحافظ رآها.
ويعرف أن هناك زيارة أخرى.
وبالتالي يصبح أمامه حافز حقيقي لإصلاحها.
الحزم والحكمة.. معادلة بني سويف
ما ظهر في الجولة الأخيرة يمكن اختصاره في معادلة بسيطة:
مخالفة جسيمة = إجراء قانوني.
تقصير مؤثر = محاسبة.
ملاحظة قابلة للإصلاح = تحذير وتوجيه.
ثم في جميع الحالات = متابعة.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
فالحكمة لا تعني التساهل.
والحزم لا يعني القسوة.
واللين لا يعني ضعف القرار.
والقوة الحقيقية للمسؤول هي أن يعرف متى يستخدم كل أداة.
المواطن لا يريد «مشهد عقاب».. بل يريد نتيجة
في النهاية، المواطن الذي يقف أمام مخبز لا يعنيه كيف وبّخ المحافظ المسؤول.
هو يريد رغيفًا مطابقًا للوزن والمواصفات.
والمواطن الذي يدخل الوحدة الصحية لا يعنيه من تم تحويله للتحقيق.
هو يريد طبيبًا موجودًا وخدمة محترمة.
والطالب الذي يدخل المدرسة لا يعنيه من تعرض للتوبيخ.
هو يريد مدرسة نظيفة وآمنة وجاهزة.
وهنا تصبح قيمة الجولة في نتائجها بعد انتهاء الجولة.
هل تغيرت المدرسة؟
هل تحسن مستوى النظافة؟
هل انتظم العاملون؟
هل اختفت المخالفة؟
هل أصبح مستوى الخدمة أفضل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تقيس نجاح المسؤول.
بين «هيبة المحافظ» و«كرامة الموظف»
ربما يكون الدرس الأهم الذي تطرحه واقعة القليوبية وتجربة بني سويف معًا، هو أن هناك فرقًا بين هيبة المنصب وإهانة الموظف.
هيبة المحافظ محفوظة عندما يطبق القانون.
وهيبة الدولة محفوظة عندما تتم محاسبة المقصر.
لكن الحفاظ على كرامة الموظف لا يتعارض مع ذلك.
بل إن المحاسبة التي تتم وفق القانون، وبأسلوب مهني، قد تكون أكثر تأثيرًا من التوبيخ أمام الكاميرات.
وهنا يمكن النظر إلى تجربة بني سويف باعتبارها نموذجًا في إدارة الموقف بهدوء، دون التفريط في حق الدولة أو المواطن.
بني سويف.. «الحزم الهادئ»
ربما يكون التعبير الأدق لوصف ما جرى هو:
الحزم الهادئ.
فالمحافظ لم يترك المخالفات.
ولم يتعامل معها باعتبارها تفاصيل صغيرة.
وفي الوقت نفسه، لم يجعل العقوبة هي اللغة الوحيدة في التعامل مع كل ملاحظة.
رصد.. ثم تقدير.. ثم قرار.. ثم متابعة.
وهذه ليست مجرد طريقة في إدارة جولة.
إنها فلسفة في الإدارة.
الدرس الأهم: ليس المهم أن ترى الخطأ.. بل ماذا تفعل بعد أن تراه
الجولات المفاجئة تكشف الحقيقة.
لكن إدارة الحقيقة هي الاختبار الأصعب.
يمكن لأي مسؤول أن يكتشف مخالفة.
لكن المسؤول الأكثر خبرة هو الذي يعرف:
متى يحيل للتحقيق؟
متى يحذر؟
متى يعطي فرصة؟
متى يحسم؟
ومتى يعود ليتأكد أن ما قاله تم تنفيذه؟
وهنا تحديدًا تبرز تجربة بني سويف.
فعبارة المحافظ:
«هاجي تاني وهشوف عملتوا إيه»
تعني أن الجولة ليست نهاية القصة.
بل بدايتها.
وفي النهاية..
بينما فتحت واقعة القليوبية نقاشًا عامًا حول أسلوب التعامل مع مديري المدارس، جاءت تجربة بني سويف لتطرح زاوية أخرى في إدارة الجولات الميدانية:
يمكن أن تكون حازمًا دون أن تكون قاسيًا.
يمكن أن تحاسب دون أن تهين.
يمكن أن تحذر دون أن تتهاون.
ويمكن أن تمنح فرصة دون أن تترك المخالفة بلا حساب.
وهنا تحديدًا يبدو «فن التعامل» ليس مجرد أسلوب لطيف في الحديث، وإنما أداة إدارية حقيقية لتحقيق الهدف الأهم: إصلاح الخطأ وتحسين الخدمة.
ففي النهاية، المحافظ الناجح ليس من يترك وراءه أكبر عدد من القرارات والعقوبات.
وإنما من يعود إلى المكان مرة أخرى، فيجد أن الملاحظة التي سجلها بالأمس لم تعد موجودة اليوم.
وهنا فقط يمكن أن نقول:
نجحت الرقابة.. ونجحت الإدارة.
ما رأيك في المقال؟