بني سويف.. من سنوات الاضطراب إلى قلعة للأمان والتنمية والمحبة
بني سويف.. من سنوات الاضطراب إلى قلعة للأمان والتنمية والمحبة
سنوات من التحديات.. ودولة تستعيد استقرارها وتضع الصعيد في قلب مسيرة البناء
كتب: محمد عبده
على ضفاف النيل، وفي قلب صعيد مصر، تقف بني سويف اليوم بصورة مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات.. محافظة تتغير ملامحها مع مشروعات التنمية، وتستعيد مكانتها على خريطة الاستثمار والخدمات، وتعيش مرحلة من الاستقرار أصبحت قاعدة أساسية لاستكمال مسيرة البناء.
لم يكن الطريق سهلًا، فقد مرت مصر خلال السنوات التي أعقبت أحداث 2011 بمرحلة شديدة التعقيد، شهدت اضطرابات سياسية وأمنية انعكست آثارها على مختلف المحافظات، ومنها بني سويف.
ثم جاءت أحداث 30 يونيو 2013 وما أعقبها من مرحلة انتقالية، لتبدأ الدولة المصرية مسارًا لاستعادة الاستقرار وتعزيز مؤسساتها، بالتوازي مع التوسع في مشروعات البنية الأساسية والتنمية، لتتحول معركة البناء إلى عنوان رئيسي خلال السنوات التالية.
وفي هذه المعركة، أصبحت محافظات الصعيد في قلب الاهتمام، ولم تعد التنمية تقتصر على المدن الكبرى، وإنما امتدت إلى القرى والمراكز والمناطق الصناعية والمدن الجديدة.
الأمن.. البداية الطبيعية لأي تنمية
الأمن ليس مجرد حماية للشارع، وإنما هو البيئة التي تسمح للمواطن بأن يعيش ويعمل، وللمستثمر بأن يضخ أمواله، وللدولة بأن تنفذ مشروعاتها، وللأسرة بأن تخطط لمستقبل أبنائها.
ومن هنا، ارتبط استقرار الشارع خلال السنوات الماضية بالتوسع في تنفيذ مشروعات الطرق والمرافق والخدمات، لتصبح بني سويف جزءًا من رؤية أوسع لإعادة صياغة خريطة التنمية في صعيد مصر.
فلا يمكن أن تنجح منطقة صناعية دون طرق ومرافق، ولا يمكن أن تصل التنمية إلى القرى دون بنية أساسية، ولا يمكن للمشروعات الكبرى أن تحقق أهدافها دون بيئة مستقرة تسمح باستمرار العمل.
«حياة كريمة».. عندما وصلت التنمية إلى قلب القرية
ربما كان المشهد الأكثر وضوحًا في هذه المرحلة هو وصول مشروعات المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» إلى القرى.
فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم المشروعات، وإنما بقدرتها على تغيير تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
مدرسة أفضل، وحدة صحية مجهزة، شبكات مياه وصرف صحي، طرق يتم تطويرها، خدمات حكومية أقرب إلى المواطن، وتحسين للبنية الأساسية التي ظلت لسنوات أحد أهم مطالب سكان القرى.
وفي بني سويف، شهد مركزا ببا وناصر تنفيذ المرحلة الأولى من المبادرة داخل 12 وحدة محلية قروية و54 قرية رئيسية بخلاف التوابع، بإجمالي نحو 1616 مشروعًا في قطاعات الصرف الصحي ومياه الشرب والغاز الطبيعي والاتصالات والتعليم والشباب والكهرباء والطرق وتبطين الترع والكباري ومجمعات الخدمات الحكومية.
هذه الأرقام، بعيدًا عن لغة البيانات، تعني بالنسبة للمواطن أن الدولة انتقلت بمشروعاتها إلى داخل القرية نفسها، وأن الخدمة أصبحت أقرب إلى البيت والأسرة.
سدس الأمراء.. رسالة من قلب الصعيد
في 16 سبتمبر 2023، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قرية سدس الأمراء بمركز ببا، لتشكل محطة بارزة في مسيرة التنمية بالمحافظة، حيث تفقد وافتتح عددًا من مشروعات المرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة».
وخلال الزيارة، افتتح الرئيس عددًا من المشروعات الكبرى عبر تقنية الفيديو كونفرانس، من بينها مجمع مصانع الرواد، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي بمدينة بني سويف الجديدة، وجامعة بني سويف الأهلية، ومستشفى إهناسيا المركزي.
وكان المشهد اللافت هو احتشاد الأهالي لاستقبال الرئيس في القرية، في صورة عكست حجم الاهتمام الذي حظيت به مشروعات تطوير الريف في المحافظة.
من الطرق والمرافق إلى الاستثمار
لم تتوقف عملية التطوير عند القرى.
فبني سويف تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها حلقة وصل مهمة بين القاهرة ومحافظات الصعيد، وهو ما يمنحها أهمية متزايدة في خريطة الاستثمار والصناعة.
ومع تطوير الطرق والمناطق الصناعية والمرافق، تتجه المحافظة إلى تعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل.
فالاستثمار يحتاج إلى بنية أساسية، والبنية الأساسية تحتاج إلى استقرار، والاستقرار يوفر البيئة اللازمة لاستمرار العمل والإنتاج.
وهكذا تلتقي حلقات المشهد في نقطة واحدة: الأمن والتنمية مساران متكاملان.
محور الفشن.. شريان جديد يربط شرق وغرب النيل
وفي جنوب المحافظة، يأتي محور الفشن الحر على النيل بطول إجمالي يبلغ 27 كيلومترًا، بينما تم التشغيل التجريبي للمرحلة الأولى بطول 8.7 كيلومتر من الطريق الصحراوي الشرقي إلى الطريق الزراعي الغربي.
ويضم المحور في مرحلته الأولى ثلاثة كباري رئيسية، ويخدم مراكز الفشن وببا وسمسطا، كما يربط المناطق الصناعية في كوم أبو راضي وبياض العرب ومناطق الصناعات المتوسطة والثقيلة، إلى جانب تسهيل حركة النقل والتصدير وتوفير بديل أكثر أمانًا للمعديات النيلية التقليدية.
وهنا تتضح العلاقة بين الطريق والتنمية؛ فكل محور جديد لا يعني فقط اختصار وقت الرحلة، وإنما يفتح مجالًا أوسع أمام حركة التجارة والصناعة والاستثمار.
بني سويف الجديدة.. مدن جديدة على خريطة المستقبل
وفي شرق النيل، أصبحت مدينة بني سويف الجديدة واحدة من أهم مناطق التوسع العمراني والصناعي بالمحافظة، بالتوازي مع تطوير المناطق الصناعية في بياض العرب وكوم أبو راضي وسمسطا.
وتأتي هذه المشروعات ضمن توجه أوسع لزيادة قدرة المحافظة على استيعاب الأنشطة الصناعية والخدمية، وفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار، بما يساهم في خلق فرص عمل والحد من الهجرة إلى خارج المحافظة.
وبالتوازي مع ذلك، تظهر مدينة الفشن الجديدة كامتداد عمراني جديد في جنوب المحافظة، لتضيف مساحة جديدة إلى خريطة العمران والخدمات والتنمية.
زيارة البابا تواضروس.. صورة من صور الوحدة الوطنية
وفي 19 سبتمبر 2026، استقبلت محافظة بني سويف قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في مستهل زيارته الرعوية لإيبارشية ببا والفشن وسمسطا، التي تستمر ثلاثة أيام.
وكان في استقبال قداسته اللواء عبد الله عبد العزيز، محافظ بني سويف، وبلال حبش نائب المحافظ، والأنبا إسطفانوس أسقف ببا والفشن وسمسطا، إلى جانب عدد من القيادات التنفيذية والكنسية.
وشهدت الزيارة وضع حجر الأساس لكاتدرائية الآباء البطاركة بمدينة الفشن الجديدة، بحضور المحافظ ونائب المحافظ وأسقف الإيبارشية ورئيس جهاز مدينة الفشن الجديدة وعدد من القيادات التنفيذية والشعبية والكنسية.
المشهد هنا يتجاوز كونه مناسبة دينية، ليعكس صورة من صور الحياة الوطنية في محافظة يعيش أبناؤها المسلمون والمسيحيون جنبًا إلى جنب، تجمعهم علاقات الجيرة والعمل والمشاركة في المجتمع.
بين زيارة الرئيس وزيارة البابا
في مشهدين يفصل بينهما ثلاث سنوات، تظهر صورة مختلفة لبني سويف.
في عام 2023، جاء رئيس الجمهورية إلى قرية سدس الأمراء لمتابعة مشروعات «حياة كريمة» وافتتاح مشروعات تنموية جديدة.
وفي عام 2026، جاءت زيارة البابا تواضروس الثاني إلى إيبارشية ببا والفشن وسمسطا، ووضع حجر أساس كاتدرائية جديدة بمدينة الفشن الجديدة، وسط حضور رسمي وشعبي وكنسي.
المشهدان مختلفان في التفاصيل، لكنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة: بني سويف تتحرك على أكثر من محور في الوقت نفسه؛ تنمية في القرى، وتوسع في المدن الجديدة، وطرق ومحاور جديدة، واستثمارات وصناعة، إلى جانب الحفاظ على النسيج المجتمعي والوحدة الوطنية.
الأمن.. والتنمية التي يشعر بها المواطن
كل هذه المشروعات تحتاج إلى بيئة مستقرة.
فالأسرة تحتاج إلى الأمان، والمصنع يحتاج إلى طريق ومرافق، والمستثمر يحتاج إلى بيئة مستقرة، والمواطن يحتاج إلى خدمات تصل إليه دون عناء.
ولهذا فإن الحديث عن التنمية لا ينفصل عن الأمن والاستقرار، كما أن نجاح المشروعات لا يقاس فقط بافتتاحها، وإنما بقدرتها على الاستمرار وتحسين حياة المواطنين.
فالتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو الحفاظ على ما تحقق، واستكمال المشروعات، وتحسين مستوى الخدمات، ودعم الاستثمار، وخلق فرص العمل، والاستماع إلى احتياجات المواطنين.
بني سويف.. حكاية محافظة تتغير
من سدس الأمراء التي استقبلت رئيس الجمهورية لمتابعة مشروعات «حياة كريمة»، إلى بني سويف الجديدة والفشن الجديدة، ومن محاور الطرق والكباري إلى المناطق الصناعية، ومن مشروعات البنية الأساسية إلى استقبال البابا تواضروس الثاني ووضع حجر أساس كاتدرائية جديدة..
تتغير بني سويف على أكثر من مستوى.
لم تعد المحافظة مجرد محطة على طريق الصعيد، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة متكاملة من المشروعات التي تستهدف تحسين الخدمات، ودعم الصناعة والاستثمار، وربط المراكز والمدن، وتوسيع العمران.
وفي النهاية، تبقى التنمية عملية مستمرة، والاستقرار هو البيئة التي تسمح لها بالاستمرار، بينما تظل الوحدة الوطنية أحد أهم عناصر قوة المجتمع.
وهكذا تكتب بني سويف فصلًا جديدًا من حكايتها..
محافظة تتحرك على طريق التنمية، وتحافظ على أمنها واستقرارها، وتتمسك بوحدتها الوطنية، وتفتح أبوابًا جديدة أمام مستقبل أبنائها.
ما رأيك في المقال؟