محمد عبده يكتب... حين تصنع التكنولوجيا الصورة.. من يحمي الإنسان والأسرة؟

47 مليون مشاهدة لقصة عن «تنين».. ورسالة أبعد من الخيال

كتب: محمد عبده 

لم تعد التكنولوجيا الحديثة مجرد أدوات نستخدمها لإنجاز أعمالنا بصورة أسرع وأسهل، بل أصبحت طرفًا حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية، تدخل إلى البيوت، وترافق أبناءنا في أوقات فراغهم، وتشارك الأسرة في تشكيل ما يراه الأطفال والشباب ويسمعونه ويتفاعلون معه.

ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، أصبحت الصورة أكثر تعقيدًا؛ فاليوم يمكن إنتاج مشاهد وشخصيات وأصوات وحكايات كاملة خلال وقت قصير، وبدرجة من الإتقان قد تجعل المشاهد أحيانًا غير قادر على التمييز بسهولة بين ما هو حقيقي وما هو مصنوع.

وهنا لا تصبح القضية مجرد تطور تقني يستحق الإعجاب، وإنما مسؤولية أسرية ومجتمعية تستحق الانتباه.

خلال الأيام الماضية، حقق فيلم قصصي منشور عبر قناة MYTHRA عشرات الملايين من المشاهدات، وبلغ عدد مشاهديه نحو 47 إلى 48 مليونًا، رغم أن العمل، الذي تصل مدته إلى نحو 28 دقيقة، اعتمد على صور وأصوات مولدة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

القصة تبدأ بفكرة خيالية شديدة الجاذبية:

امرأة تلد تنينًا.

فكرة تكفي وحدها لدفع المشاهد إلى المتابعة لمعرفة ما الذي سيحدث.

لكن أهمية التجربة لا تكمن في التنين، وإنما فيما يمكن أن نتعلمه من الطريقة التي نجحت بها القصة في جذب المشاهد والاحتفاظ باهتمامه.

فمع تقدم الأحداث، يتراجع الخيال إلى الخلف، وتظهر قصة أكثر قربًا من الإنسان والأسرة.

أم ترى في «التنين» ابنًا لها، بينما يراه الآخرون مخلوقًا مخيفًا يجب التخلص منه.

ومن هنا يبدأ المشاهد في طرح أسئلة تتجاوز أحداث الفيلم: هل كل ما يختلف عنا يمثل خطرًا؟ وهل يمكن أن يتحول الخوف من المختلف إلى سبب في إيذائه؟

لكن هناك سؤالًا آخر ربما يكون أكثر أهمية بالنسبة لنا اليوم:

إذا كانت التكنولوجيا قادرة على جذب ملايين البشر بهذه السهولة، فهل نعرف حقًا ماذا يشاهد أبناؤنا؟

هذه ليست دعوة إلى الخوف من التكنولوجيا، ولا إلى الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي، فالتكنولوجيا أصبحت جزءًا من حاضرنا ومستقبلنا، ولها فوائد كبيرة في التعليم والعمل والإعلام والطب ومختلف مجالات الحياة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا من أداة نستخدمها إلى قوة تتحكم في وقتنا واهتمامنا ومشاعرنا دون وعي منا.

فالطفل الذي يحمل هاتفًا ذكيًا لا يحمل مجرد جهاز للاتصال.

إنه يحمل نافذة مفتوحة على عالم واسع، فيه المعرفة والتعليم والإبداع، لكنه يحتوي أيضًا على محتوى قد لا يكون مناسبًا لعمره أو مرحلته النفسية، ومقاطع مصممة لجذب الانتباه وإبقائه أطول فترة ممكنة.

ومع أدوات الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أصبحت عملية صناعة المحتوى أسرع وأسهل، وأصبح من الممكن إنتاج صور وشخصيات وحكايات قد تبدو حقيقية في ظاهرها، رغم أنها لم تحدث أصلًا.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الأسرة.

ليس المطلوب أن نمنع أبناءنا من التكنولوجيا، وإنما أن نعلمهم كيف يستخدمونها.

أن يعرف الطفل أن الصورة ليست دائمًا حقيقة، وأن الصوت يمكن تقليده، وأن الفيديو يمكن أن يكون مصنوعًا بالكامل، وأن ما يراه على الشاشة لا يصبح صحيحًا لمجرد أنه يبدو حقيقيًا.

والأهم من ذلك أن يشعر الأبناء بأن هناك دائمًا شخصًا يمكنهم الرجوع إليه عندما يرون شيئًا يثير خوفهم أو حيرتهم أو فضولهم.

فالرقابة وحدها لا تكفي.

والمنع وحده لا يكفي.

الحماية الحقيقية تبدأ بالحوار.

أن يجلس الأب مع ابنه، والأم مع ابنتها، لا ليقولوا فقط: «لا تشاهد هذا»، وإنما ليسألوا: ماذا شاهدت؟ ماذا أعجبك؟ لماذا أعجبك؟ وهل تعتقد أن ما رأيته حقيقي؟

بهذه الطريقة تتحول الأسرة من مجرد جهة تفرض القيود إلى مساحة آمنة تساعد الأبناء على فهم العالم الرقمي.

ولعل أخطر ما في التطور التكنولوجي ليس أن الآلة أصبحت قادرة على صناعة صور مبهرة، وإنما أن الإنسان قد يعتاد مشاهدة كل شيء دون أن يسأل:

من صنع هذا المحتوى؟ ولماذا صنعه؟ وماذا يريد مني أن أشعر أو أفعل بعد مشاهدته؟

هذه الأسئلة يجب أن تصبح جزءًا من الثقافة الرقمية داخل كل بيت.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للتعليم والإبداع، لكنه في الوقت نفسه يفرض علينا مسؤولية أكبر في التحقق، والوعي، وحماية الخصوصية، ومراقبة المحتوى الذي يصل إلى الأطفال.

وفي عالم تتسابق فيه المنصات على جذب أعين المستخدمين، تظل الأسرة هي خط الدفاع الأول.

لا يمكننا أن نطلب من التكنولوجيا أن تقوم بدور الأب والأم، ولا أن نترك للشاشة مهمة تربية أبنائنا.

الهاتف ليس أبًا، والمنصة ليست أمًا، والخوارزمية لا تعرف مصلحة الأسرة كما يعرفها أهلها.

ولهذا فإن معركة الأسرة اليوم ليست ضد التكنولوجيا، وإنما ضد الاستخدام غير الواعي لها.

علينا أن نعلم أبناءنا استخدام أدوات العصر، لكن علينا في الوقت نفسه أن نعلمهم متى يتوقفون، وماذا يصدقون، وما الذي يجب أن يرفضوه، ومتى يطلبون مساعدة الكبار.

فالذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر حضورًا في حياتنا خلال السنوات المقبلة، ولن يكون الحل في إغلاق الأبواب أمامه، وإنما في بناء جيل قادر على استخدامه بوعي ومسؤولية.

أما قصة «التنين» التي شاهدها عشرات الملايين، فربما تحمل لنا درسًا يتجاوز القصة نفسها:

التكنولوجيا تستطيع أن تجذب العين، لكن مسؤوليتنا أن نحمي العقل والقلب.

والآلة تستطيع أن تصنع صورة تبدو حقيقية...

لكن الأسرة هي التي يجب أن تعلم أبناءها كيف يميزون الحقيقة من الوهم.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم:

ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع؟

بل ماذا نسمح له أن يصنع في عقول أبنائنا وحياتهم؟أ
Uploaded Image