محمد عبده يكتب جابربغدادي.. من بني سويف إلى العالم.. «حي على الوداد» مشروع للوسطية والتصوف المعاصرمن العلم إلى السلوك.. ومن المحبة إلى العمل
جابر بغدادي.. من بني سويف إلى العالم.. «حي على الوداد» مشروع للوسطية والتصوف المعاصر
من العلم إلى السلوك.. ومن المحبة إلى العمل
كتب: محمد عبده
في زمن تتعدد فيه الخطابات الدينية، وتختلف طرق تقديم المفاهيم الإسلامية إلى الجمهور، يبرز اسم الشيخ الدكتور جابر بغدادي، الداعية المصري ابن محافظة بني سويف، من خلال خطاب يضع «المحبة» و«تزكية النفس» و«الوسطية» في قلب رسالته الدعوية.
ومن بني سويف إلى القاهرة، ثم إلى عدد من الدول العربية والإسلامية، حمل بغدادي مشروعه المعروف بـ«حي على الوداد»، مقدمًا رؤية تقوم – بحسب خطابه الدعوي – على الجمع بين العلم والسلوك، وبين الالتزام بالشريعة والتربية الروحية، مع حضور واضح لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، والدعوة إلى تهذيب النفس وحسن التعامل مع الآخرين.
ولا يقدم بغدادي التصوف باعتباره انعزالًا عن الحياة، وإنما يربطه في دروسه ومجالسه بتزكية الإنسان وإصلاح سلوكه، وهو ما يظهر في حديثه المتكرر عن «التصوف السني» باعتباره طريقًا للتربية والإحسان ومجاهدة النفس.
«حي على الوداد».. حين تصبح المحبة منهجًا
عنوان «حي على الوداد» لم يكن بالنسبة إلى بغدادي مجرد اسم لنشاط أو لقاء، وإنما أصبح محورًا حاضرًا في كثير من دروسه ولقاءاته.
وفي حديث سابق له، أوضح أن الفكرة تقوم على الدعوة إلى الأخلاق وعبادة الله واتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالحب، مؤكدًا أن الإسلام جاء رحمة للإنسانية، وأن المحبة يمكن أن تكون مدخلًا إلى إصلاح السلوك وبناء العلاقات بين الناس.
ومن هنا تتقاطع في مشروعه مجموعة من المفاهيم: القرآن والسنة، السيرة النبوية، تزكية النفس، الأدب والسلوك، ومفهوم الإحسان؛ وهي موضوعات حاضرة في دروسه ومادته الدعوية، مع تركيز على ما يصفه بالتصوف السني المعتدل.
الوسطية.. من الفكرة إلى مجالس العلم
من أبرز المساحات التي يظهر فيها هذا التوجه «مجالس النور العلمية»، التي يشرف عليها بغدادي، والتي توسعت أنشطتها لتصل إلى القاهرة وبني سويف وعدد من محافظات الوجه القبلي.
وتتناول هذه المجالس عددًا من العلوم الشرعية والموضوعات المرتبطة بالقرآن والسنة والسيرة والتزكية، في محاولة لتقديم الخطاب الصوفي في إطار تعليمي وتربوي، يقوم على الوسطية وفهم الدين وربط العلم بالسلوك.
وفي هذا السياق، يركز خطابه على أن التربية الروحية لا تنفصل عن الالتزام بالشريعة، وأن التصوف – في تصوره – ليس هروبًا من الحياة أو ابتعادًا عن مسؤولياتها، وإنما وسيلة لتربية الإنسان على الإحسان ومجاهدة النفس وتحويل القيم الدينية إلى سلوك عملي.
آل البيت.. مساحة حاضرة في خطابه
تحظى محبة آل البيت بمكانة واضحة في خطاب جابر بغدادي، سواء في حديثه عن التراث الصوفي المصري أو في الفعاليات والأنشطة المرتبطة برسالته.
وفي أحاديثه عن مساجد ومقامات آل البيت، يربط بغدادي بين محبة آل البيت وبين الحفاظ على التراث الديني، مؤكدًا أهمية تقديم هذه المحبة في إطار من الاعتدال والوسطية بعيدًا عن التعصب والغلو.
كما ارتبطت هذه الرؤية بأنشطة اجتماعية وخدمية تحمل اسم «زاد آل البيت»، في إطار يجمع بين البعد الديني والعمل المجتمعي وخدمة المحتاجين.
من الدعوة إلى خدمة الناس.. القبة الخضراء نموذج للمشاركة المجتمعية
ولا تقف فكرة المحبة في تجربة جابر بغدادي عند حدود الدروس والمجالس والحديث عن تزكية النفس، وإنما تمتد إلى العمل المجتمعي وخدمة الناس، وهو ما يظهر من خلال نشاط مؤسسة القبة الخضراء لإحياء التراث، التي ارتبط عملها بمساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعام الطعام في محافظة بني سويف.
وتقدم المؤسسة نموذجًا للمشاركة المجتمعية من خلال السعي إلى الوصول إلى الأسر الأكثر احتياجًا وتقديم الطعام والمساعدة لها، في إطار يربط بين المحبة باعتبارها قيمة دينية وبين ترجمتها إلى فعل اجتماعي ملموس.
وقد تحدث بغدادي في مناسبات سابقة عن تجربة المؤسسة في إعداد الطعام وتوصيله إلى المحتاجين، مؤكدًا أن خدمة الناس وإطعام الطعام من صور المحبة التي يحرص على ترسيخها في المجتمع.
ويظهر هذا البعد بصورة أكثر اتساعًا في المبادرات التي تجمع بين المؤسسات الدينية والمجتمعية، ومن بينها مشروع «زاد آل البيت» الذي شهد تعاونًا بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني لتوزيع وجبات مجانية على الأسر الأولى بالرعاية، بمشاركة جابر بغدادي ومؤسسات مرتبطة بمشروعه المجتمعي.
كما امتد حضور مؤسسة القبة الخضراء إلى جانب آخر يتعلق بإحياء التراث الديني، من خلال الاهتمام بالمناطق والمواقع ذات القيمة الدينية والتاريخية، بما يربط بين العمل المجتمعي والحفاظ على الذاكرة والتراث.
وهنا تبدو المشاركة المجتمعية جزءًا من الصورة الأوسع لمشروعه؛ فالمحبة التي يتحدث عنها في مجالسه لا تتوقف عند الوعظ، وإنما يحاول ترجمتها إلى إطعام ومساعدة وخدمة والحفاظ على التراث، بما يجعل العمل الاجتماعي أحد المسارات التي تتحرك فيها رسالته إلى جانب التعليم والدعوة والتربية الروحية.
من بني سويف إلى ساحات العالم
لم يتوقف حضور جابر بغدادي عند حدود النشاط المحلي، وإنما امتد خلال السنوات الماضية إلى مشاركات ولقاءات في عدد من الدول العربية والإسلامية.
ففي العراق، شارك في مؤتمر تناول «التصوف السني ودوره في وحدة الأمة ونهضتها»، وألقى كلمة خلال المؤتمر، في إطار مشاركة علماء وباحثين من عدد من الدول.
وفي إندونيسيا، شارك عام 2023 في المؤتمر العالمي للتصوف بمدينة بكالونغان، الذي حمل عنوان «العمل الصوفي المعاصر في عالم متجدد»، بحضور عدد من العلماء والباحثين من دول مختلفة.
كما ارتبط اسمه بمشاركات دينية وفكرية في عدد من الدول الأخرى، من بينها عُمان والجزائر والمغرب، ضمن لقاءات تناولت التصوف والسيرة النبوية والوسطية والتربية الروحية.
وفي سلطنة عُمان، جاءت مشاركته ضمن جولة دعوية استضافتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية العمانية، وشملت عددًا من اللقاءات والمحاضرات.
أما الجزائر، فشهدت مشاركات تناولت قضايا التصوف والتربية والسيرة والمحبة، بينما ارتبطت زيارته إلى المغرب بلقاءات ذات طابع صوفي وروحي.
أما الهند، فكانت إحدى أحدث محطات الحضور الخارجي، حيث جاءت مشاركته في فعاليات علمية ودعوية بالجامعة الإسلامية السنية في كيرالا، في إطار دعوة مرتبطة بالعلوم الشرعية ودراسة الحديث.
وهكذا تبدو الرحلات الخارجية امتدادًا لفكرة واحدة أكثر من كونها مجرد قائمة من الزيارات؛ وهي تقديم نموذج مصري في الخطاب الصوفي يقوم على العلم والتزكية والمحبة، مع اختلاف البيئات والثقافات التي يصل إليها هذا الخطاب.
«ميلادك رحمة».. بني سويف في قلب المشروع
وعلى المستوى المحلي، تظل بني سويف نقطة أساسية في نشاط جابر بغدادي.
وفي سبتمبر 2026، انطلقت النسخة الرابعة من المؤتمر السنوي «ميلادك رحمة» بالمحافظة، ضمن الفعاليات المرتبطة بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ليؤكد استمرار حضور بني سويف في المشروع الدعوي والمجتمعي الذي يرتبط باسم بغدادي.
وتكشف هذه الفعاليات عن محاولة لإعادة تقديم التصوف في صورته المرتبطة بالعلم والسيرة والأخلاق والمحبة، مع الحفاظ على الطابع المصري في الخطاب الديني.
الوطن حاضر في الرسالة
ولا ينفصل الخطاب الديني عند بغدادي عن الحديث عن المجتمع والوطن.
ففي لقاءاته وتصريحاته، يتكرر الحديث عن أهمية السلام المجتمعي، ومحاربة الفتن، والحفاظ على القيم الأخلاقية، وربط التدين بالسلوك الإيجابي.
وفي هذا الإطار، يتعامل مع المحبة باعتبارها قيمة يمكن أن تتجاوز حدود العلاقة الفردية لتصبح مدخلًا إلى التعايش وخدمة المجتمع والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي.
موقف سياسي معلن.. في سياق انتخابي محدد
وفي جانب آخر من مسيرته العامة، ظهر له موقف سياسي معلن خلال مؤتمر لنقابة الأشراف في ديسمبر 2023، عُقد لدعم ترشح الرئيس عبدالفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية آنذاك.
وخلال كلمته في المؤتمر، أعلن بغدادي دعمه للسيسي، وتحدث عن اهتمامه بمساجد آل البيت، كما تناول في كلمته عددًا من الملفات المرتبطة بالشأن المصري.
ويظل هذا الموقف مرتبطًا بالمناسبة الانتخابية التي صدر خلالها، ولا ينبغي الخلط بينه وبين مجمل مشروعه الدعوي أو اختزاله فيه، خاصة أن نشاطه الديني والمجتمعي يمتد إلى مجالات متعددة.
التصوف المعاصر.. محاولة لاستعادة المعنى
ربما تكمن إحدى أبرز ملامح تجربة جابر بغدادي – كما تظهر في خطابه ومجالسه – في محاولته تقديم التصوف من زاوية مرتبطة بالحياة اليومية للإنسان.
فهو يتحدث عن التصوف باعتباره تربية للنفس، وعن الذكر باعتباره وسيلة لإحياء القلب، وعن المحبة باعتبارها قيمة ينبغي أن تنعكس على السلوك، وعن العلم باعتباره أساسًا لفهم الدين.
وفي مادته الدعوية الحديثة، تظهر موضوعات مثل تزكية النفس، ومجاهدة الهوى، ومقامات الإحسان، والتسليم والرضا، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، بما يعكس اهتمامًا بالجانب التربوي والروحي إلى جانب الجانب العلمي.
ومن هنا يمكن قراءة مشروع «حي على الوداد» باعتباره محاولة لصياغة خطاب صوفي معاصر يخاطب الإنسان في حياته اليومية، ويضع الأخلاق والمحبة والرحمة في مقدمة الطريق.
فمن بني سويف بدأت الحكاية، ومن القاهرة اتسعت الدائرة، ثم خرجت الرسالة إلى مساحات أوسع في العالم العربي والإسلامي.
وبين مجلس علم ودرس ديني ومؤتمر دولي وفعالية مجتمعية، ظل الخيط الذي يجمع هذه المحطات واحدًا: العلم الذي يقود إلى الفهم، والفهم الذي يتحول إلى سلوك، والمحبة التي لا تكتفي بالكلمات، وإنما تتحول إلى عمل.